ميرزا محمد حسن الآشتياني

154

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

في حكم العقل بالبراءة في المقام بالنظر إلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان سواء جعل مورده الوجوب النفسي المحتمل المتعلّق بالأكثر أو الغيري المتعلّق بالجزء المشكوك بالنظر إلى ذاته من حيث توقف وجود الكل عليه من جهة كون تركه سببا لترك الكل أو عينه على ما عرفت الإشارة إليه سابقا لأن المعاقب عليه وإن كان ترك الكلّ إلا أن السبب له ترك الجزء الذي لم يبيّنه الشارع وهذا المقدار يكفي في جريان القاعدة وحكم العقل [ في إبداء الفرق بين أوامر المقام وأوامر الأطباء ] ( قوله ) قدس سره فإن قلت إن بناء العقلاء إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) هذا السؤال إشارة إلى ما زعمه غير واحد وركن إليه في منع جريان قاعدة القبح في المقام وكون العقل مستقلّا في الحكم بوجوب الاحتياط من جهة إلزامه دفع الضرر المحتمل مستكشفا ذلك من بناء العقلاء على ذلك في الأوامر العرفيّة الصّادرة من الموالي بالنسبة إلى العبيد أو الأطبّاء بالنسبة إلى المرضى فهو إيماء إلى ما عرفته في طيّ الاستدلال للقول بوجوب الاحتياط في المقام ( قوله ) قلت أما أوامر الطبيب فهي إرشاديّة إلخ ( 2 ) ( أقول ) ما أفاده في الجواب عن السؤال يرجع إلى إبداء الفرق بين المقام وبين أوامر الأطبّاء مع تسليم وجوب الاحتياط في الثاني بأن أوامرهم إرشاديّة محضة لا يقصد منها إلا تحصيل ما هو الثابت في المأمور به من الخواص والفوائد ومن المعلوم ضرورة لزوم الاحتياط فيما إذا تعلق الغرض بتحصيل عنوان من الفعل يشكّ في حصوله بترك بعض ما يعلم بعدم كون فعله مضرّا ولم يزل بناء العقلاء على الالتزام بفعله ولو لم يكن هناك أمر من أحد أصلا على ما عرفت الإشارة إليه لئلا يلزم نقض الغرض وهذا بخلاف المقام المفروض كون الأمر فيه مولويّا وإن كان له جهة إرشاد يتكلّم فيه ويبحث عنه من حيث الإطاعة والمعصية فإن العقل مستقلّ في الحكم فيه بكفاية فعل الأقلّ في التخلّص عن تبعة العقاب وتحقّق الإطاعة التي لا واقعيّة لكيفيّتها وشؤونها إلّا بملاحظة حكم العقل وإن لم يقطع بحصول الواجب الواقعي في ضمن ما يتحقّق به الإطاعة وهو فعل الأقلّ في مفروض البحث فإن هذا ليس شرطا في تحقق الإطاعة الموجب لاستحقاق الثواب ورفع العقاب إذ قد عرفت من مطاوي كلماتنا السابقة في هذا الجزء وفي الجزء الأوّل من التعليقة غير مرّة أن الخطابات الواقعيّة والأحكام النفس الأمريّة ليس ممّا يقتضي بأنفسها وجوب الإطاعة وحرمة المعصية بحيث يترتّبان على وجودها النفس الأمري ويكون لهما كنفس الأحكام ثبوت واقعيّ ونفس أمريّته بل هما من الأحكام العقليّة الوجدانيّة يختلف مراتبهما في حكم العقل بحسب اختلاف الموارد والحالات فقد يحكم العقل في مقام بلزوم تحصيل العلم والقطع ولا يكتفى بغيره في مقام الإطاعة وقد يحكم في مقام بلزوم تحصيل مرتبة من الظن ولا يكتفى بغيره في حصول الإطاعة وقد يحكم بكفاية مطلق الظنّ ولا يكتفى بغيره وقد يكتفى في مقام الإطاعة ببعض محتملات الواقع هذا بالنسبة إلى أوامر الطبيب وأمّا الأوامر الصادرة من الموالي بالنسبة إلى عبيدهم فإن كانت مولويّة فتلتزم فيها بما التزمنا بالنسبة إلى الأوامر الشرعيّة من قبح المؤاخذة على ترك الواقع المسبّب عن ترك الجزء المشكوك للمركّب الذي تعلّق به الأمر المولوي ودعوى حكم العقلاء على خلافه مكابرة بنية واضحة وإن كانت إرشادية محضة فحالها حال أوامر الأطبّاء ( قوله ) قدس سره نعم قد يأمر المولى بمركّب يعلم أن المقصود منه إلخ ( 3 ) ( أقول ) ما استدركه إشارة إلى تسليم وجوب الاحتياط بفعل ما شكّ في مدخليّة وجزئيّته وحسن المؤاخذة من المولى على تركه فيما يفرض الأمر المولوي المتعلّق بالمركّب المردّد بين الأقلّ والأكثر منبعثا عن عنوان يشكّ في حصوله بفعل الأقل بحيث يكون هو المأمور به الحقيقي حقيقته ويكون الأمر بالفعل غيريّا أو غرضا من الأمر بالفعل من غير فرق بين كون العنوان المذكور معلوما بالتفصيل أو مجهولا فإن تحصيل العلم بحصول العنوان المذكور لازم عند العقلاء في الصورتين وإن كان حكمهم به في الصورة الأولى أظهر وأوضح من حكمهم به في الصورة الثانية هذا ولكنّك عرفت ما يتوجّه على ما أفاده في طيّ الجواب عن وجوه القول بالاحتياط وستمرّ الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى ( قوله ) قدس سره فإن قلت إن الأوامر الشرعيّة إلخ ( 4 ) ( أقول ) لمّا سلّم قدس سره وجوب الاحتياط فيما كان من الأمر المولوي العرفي المتعلّق بالمركّب قصد به عنوان ووجه يكون هو المكلّف به حقيقة أو غرضا للأمر به فقد تفطّن ورود سؤال على نفسه فيما بني الأمر عليه من عدم وجوب الاحتياط في محل البحث من الشرعيّات وقد عرفت أنه من وجوه القائلين بالاحتياط في المقام ونقول توضيحا لما أفاده أن من المسلّمات عند العدليّة كون الأحكام الشرعيّة بأسرها مبنيّة على جهات الأفعال أو الأحكام كما زعمه بعض من المصالح والمفاسد وإن لم يعلم بها تفصيلا وبحقائقها ومن هنا حكموا في مسألة الملازمة بثبوت التلازم من الطرفين وإنه كما يكون حكم العقل دليلا على حكم الشرع وكاشفا عنه يكون حكم الشرع أيضا كاشفا عن حكم العقل ولو كان بين الكشفين فرق من حيث الإجمال والتفصيل فالمصلحة إمّا من قبيل العنوان والوجه للمأمور به كالطهور المطلوب حقيقة من الأمر بإزالة الخبث والحدث بالوضوء والغسل الرافعين أو الغرض من الأمر به فلا بدّ إذا من الالتزام بوجوب الاحتياط في المقام وأمثاله ممّا يشكّ في حصول المصلحة بفعل بعض محتملات الواجب على ما وقع الاعتراف به سابقا والحاصل أن الأوامر الشرعيّة بأسرها على قسمين أحدهما ما يكون إرشاديّة محضة كأوامر الإطاعة والتوبة على ما يقتضيه التحقيق والإشهاد عند المعاملة ونحوها ثانيها ما يكون له جهتان جهة مولويّة وجهة إرشادية إلى ما هو المكنون في المأمور به من المصلحة كأكثر الأوامر الواردة في الشريعة خلافا لبعض المدقّقين فيما حكي عنه في تعليقه على المعالم حيث ذهب إلى كون الأوامر الشرعيّة بأسرها إرشاديّة محضة في قبال الأشعري القائل بكونها مولويّة محضة ولآخر حيث اكتفى بوجود المصلحة في الأمر وليس لهما قسم ثالث عند العدليّة فإذا لا بدّ من الالتزام بوجوب الاحتياط في الشكّ في المكلّف به مطلقا بناء على الاستدراك المذكور هذا حاصل ما أفاده في تقريب السؤال وأما ما أفاده بقوله قدس سره وبتقرير آخر المشهور بين العدليّة أن الواجبات الشرعيّة إلى آخر ما أفاده